والخيط الذي يجمعهما معا هو الثقة المتبادلة فإذا فقدت هذه الثقة في مجتمع يعيش فيه المواطن البسيط كأنما هو متفرج في مباراة ليس له فيها ناقة ولا جمل..... يعيش غريبا في وطنه وكأنه مواطن من الدرجة العاشرة .... كيف يتسنى لنا بعد كل هذا أن نتحدث عن الانتماء؟؟؟ أو عن حب الوطن أو التضحية من أجله؟؟؟
إن الذي ينظر حاليا في أوساط الشباب, وهم أهم الطوائف الاجتماعية يجد أن كل هذه القيم التي ذكرناها لا تمثل لهم أدنى أهمية ولا تعدو كونها مجرد كلمات سمعناها من آبائنا أو من الملفات التاريخية. وأصبح الشغل الشاغل لهذا الشباب هو اما محاولة السفرللخارج للبحث عن لقمة العيش والتأهل للزواج وإما على العكس الارتماء في أحضان المقاهي ، والكيف ,الطريق الأسهل للجريمة؛ الجريمة التي تعيش أزهى عصورها فصرنا نرى أبشع الجرائم لأتفه الأسباب وتحول سلوك الفرد الى العنف الشديد وهو نتاج للثقافة التي تسود المجتمع وهي ثقافة التسلط والعنف والسلطة وليست ثقافة الحوار والتفاهم والتآلف.
لذا.... وبناء على ذلك ..... فنحن بالفعل نعيش في أزمة تترامى أطرافها مع جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للمواطنين ..تتعدد مظاهرها ونتائجها وآثارها.....والخروج من هذا النفق المظلم يستلزم أمرين أساسيين؛
أولا: أعادة بناء الثقة المفقودة بين الحكومة وبين الأفراد وهو أمر من الصعوبة بما كان حيث ان البناء دائما ما يستلزم وقتا أطول من الهدم.ولكن ضرورة اعادة بناء هذه الثقة تتمثل في أهمية تعاون المجتمع لتقدير ما حل به من خراب ولتشخيص الأمراض لبدء رحلة العلاج الطويلة والشاقة .
ثانيا وهو الأهم عقد المصالحة الوطنية لكي نضمن القضاء على هذه الازدواجية الخطيرة التي تهدد كيان المجتمع ولكي ندمج المواطن البسيط في جهود التنمية فينتقل من مقاعد المتفرجين إلى صفوف المشاركين ,الذين يمثلون الطائفة الأهم والأكبر في المجتمع , وهو أمر حيوي للقضاء على الشعور بالتغرب داخل الوطن وهو الشعور الكفيل بالقضاء على كافة جهود التنمية مهما كبرت . إن إحساس المواطن أن هذا البلد _ في النهايه _ هو بلده وأن الجهد الذي سيبذله سوف يصب في النهاية في مصلحتها ؛ هذا الإحساس سوف يوفر للمواطنين إطارا عاما يوحد جهودهم , من أجل هدف واضح لأعينهم وهو مصلحة المجتمع .
وفي المقابل إذا لم تعقد مثل هذه المصالحة وظلت هذه الفئة على ما هي عليه من التجاهل والإهمال .. سيؤدي ذلك إلى تحول هذه الطائفة , عظيمة الشأن , إلى قنبلة موقوتة تمثل بما ينتشر فيها من ثقافة السلبية و الأنانية وانتشار الفساد وعدم الوعي وتبلد الشعور بالانتماء ؛ أقول تمثل عائقا مستمرا أمام جهود التنمية والإصلاح.
وفي النهاية أحب أن أشير إلى شيء مهم .. هو ان الشعب المصري شعب عظيم , كريم الأصل , طيب النفس , ولكنه يحتاج إلى من ينير له الطريق .. وهي مهمةالفلاسفة والمفكرين والمثقفين من أبناء المجتمع ..أن يضيؤا له الطريق وأن يرشدوه إلى تلمس المستقبل مع الحفاظ على قيمه وأفكاره وأخلاقه . ولكننا ومن أكثر من نصف قرن دخلنا في نفق مظلم وفوجئنا بعسكرة المجتمع وتسييس المثقفين وإقصائهم عن الحياة العامة , وظل الشعب في ظلام دامس انتشر فيه الجهل وساد الفساد وتسيد الاستبداد وانتشرت الأوبئة الاجتماعية ...واليوم قد آن الأوان لعودة المثقفين والمفكرين إلى طليعة هذه الأمة وفي صدارة الطريق ليعودوا بالمجتمع إلى جادة الصواب ..وهذا دورنا ..الذي نذرنا حياتنا من أجله ..فلنعمل سويا على إظهار القيم والدفاع عن عنها والحفاظ على البقية الباقية من ثوبت المجتمع وكرمة الوطن والمواطنين.
|