|
|
إلى جانب ما قيل نلمس التأثير المتنامي للعولمة في مناح عدة ، أبرزها السياسة و العادات الاجتماعية و الإعلام ، فإذا بدأنا من حيث انتهينا مع الإعلام وجدنا عددا كبيرا من أجهزة الإعلام العربية تؤثر التخاطب بلغة المستعمر الجديد في منتوجها الإعلامي على حساب الكثير من اللغات الوطنية، في مظهر يشي بأنها برامج موجهة للنخبة دون باقي الأفراد الذين غدوا يحسون بالإقصاء واقعا يتجرعون مراراته على مضض في حالة من الذهول أمام الأخر الذي استطاع ان يجعل من لغته شرا لا بد منه.
فما دامت حركة العولمة تدعي التوحيد و إلغاء الحواجز بين الأقطار و المنظومات الثقافية، كيف يمكن لها ان ترسخ الاقصاء الثقافي بتشجيع خطاب واحد يلغي الاخر و يجبره على التخلي الجبري عن مبادئه و القبول بالوضع كما هو و بما يحمله من تناقضات تلخص اغتصابا مشرعنا للثقافة لكن في مظهر مثالي سمته التوحيد و إالغاء الفوارق؟
هنا تبرز و بوضوح مسألة في غاية الاهمية و هي أن العولمة ليست توحيدا للثقافات بقدر ما هي إلغاء ثقافات متعددة و إحلال ثقافة واحدة مكانها ، و ما يحصل اليوم في المشهد الإعلامي العربي لا يمكن اعتباره انفتاحا ، لأنه لا يخصص حيزا للتواصل مع الاخر فحسب و إنما يغلبه و على حساب الهوية و التعدد ، فمن المجحف حقا ان تتردد لغة يفهمها عدد قليل من المواطنين طيلة النهار على الأجهزة و تحجب لغة او لغات قادرة على جعل الإعلام يضطلع بدوره المتمثل في التوعية و التحسيس، بيد أن الوعي بقيمة الإعلام و قدرته على الادلجة يفسر الاتجاه المستمر لتنميط الإعلام كمنطلق لتنميط عنصر أهم هو الثقافة المحلية يما تختزله من مكونات تاريخية و إثنية.
أما المجتمع بصفته مجالا للتأثير فقدا شرع منذ أمد طويل في التحول عبر تبني طرق جديدة للحياة تمثل نمطا واحدا للعيش هو الأمثل و الأليق ، و كل نمط يخرج عن هذا الإطار شيء مستهجن ينبغي العدول عنه تحقيقا للتقدم و إن كان هذا الأخير شكليا ليس إلا، و إنها لخطوة خطيرة تصب في إنكار الذات بما تختزنه من غنى ثقافي و تنوع حضاري ، فبهدف التحضر أصبح من الضروري أن يرمي الإنسان بهويته بعيدا كي يدخل الحضارة من أوسع أبوابها، و إن كانت هذه الأخيرة تجليا واحدا لا أكثر من تجليات الإنتاج الإنساني المفروض بقوة لاستجابة عوامل عدة أبرزها النهوض الاقتصادي و التحكم في التكنولوجيا .
أما على المستوى السياسي فالتبعية لمراكز القرار الدولي تتواصل دوما ، و باتت سيادة الدول محصورة في مجالات معينة، و غدا الدفاع عن الخصوصية الثقافية مظهرا من مظاهر الانغلاق الموجب للعقاب ، إذ لا ينبغي لأي نظام سياسي في يومنا هذا أن يخرج عن الضوابط التي صاغها المنتظم الدولي ، و هذا الأخير حول الدول إلى مراكز تابعة للقوى العظمى، فبرامج الأحزاب مثلا لا ينبغي لها ان تتعارض مع أهداف العولمة و القيم الكونية، و التوجهات الكبرى للبلدان العربية لا يراد لها ان تنزاح عن لغة تصوغ بمفردها فكرا يتردد صداه في كل قطر عربي، و الحق أن تبعية الكثير من الدول العربية تطرح إشكالا كبيرا يعيق المواجهة التي سنتحدث عنها، إذ كيف يمكن حماية الذات في لحظات استنجادها بالآخر الذي يتعامل معها بمنطق العصا و الجزرة، فهي مخيرة بين الطاعة و الحصول على المساعدات و بين السيادة التي قد تنتج العقوبات و المضايقات.
قد نتساءل بعد رصدنا لمظاهر التأثر بالعولمة عن السبل الممكنة للمواجهة في ظل مرحلة تشهد على تردي الوضع العربي ثقافيا و سياسيا و استراتيجيا ، فكيف للواقع المهزوم ان يقاوم و يصمد او يفرز ذاتا قوية في وجه الاخر؟
|
Tags
You must be logged in to add tags.
|
Writer Profile
هشام
هشام تسمارت، عربي اللسان ريفي الهوى، يعشق فن الكلمة و يتوق إلى التحليق عاليا كي تتسع بسمة ملاكين اثنين يجلهما أكثر من كل البشر ، أبي و أمي
|
Comments
You must be a TakingITGlobal member to post a comment. Sign up for free or login.
|
|