| par هشام | |
| [Publié sur : ] Jun 11, 2010 | |
| Thème: | |
| Genre: Opinions | |
| https://www.tigweb.org/express/panorama/article.html?ContentID=29417 | |
| أضحى الحديث عن العولمة في لحظتنا المعاصرة موضوعا مثيرا للجدل بما تعنيه الكلمة من معنى، نظرا للتجاذب الحاصل في إرساء المفهوم كخطوة أولى ثم التعامل معه كأمر واقع في مرحلة متقدمة ، و يجد هذا التعامل مع الظاهرة تفسيره في خصوصيتها من جهة و تعقدها من جهة أخرى ، فالعولمة كمرحلة متقدمة من نظام الاتصال البشري ، و باعتبارها أداة لتخلي المنظومات الفكرية و السياسية و الاجتماعية عن بعض مظاهر الأصالة و الاندماج بل الانصهار أحيانا في بوتقة ثقافة نمطية يمليها الطرف الأقوى سياسيا و الأقدر عسكريا على المجابهة و السيطرة، غدت مرحلة يمثل الاندماج فيها شيئا محفوفا بالمخاطر . و بربطنا الموضوع مع السياق الثقافي العربي نجد المفهوم يتراوح بين الرفض و القبول ، أي بين من يرون فيه انفتاحا تحقق فيه الدول المندمجة بعمق ،مكاسب تحت مظلة المنتظم الدولي، و بين معارضين حجتهم التمسك بالموروث الثقافي المحلي في إطار صون الهوية الوطنية بمختلف أبعادها. لا شك أننا معنيون بظاهرة العولمة ما دمنا نتقاسم الأرض و حدود الجغرافيا، و لا مفر لنا من التفكير مليا و البحث عن طريقة مناسبة للتعامل مع المستجد في غضون تسارع الأحداث و تلاحق المتغيرات العالمية، و إلا بقينا على الهامش نعيش على وقع الإملاءات المصاغة في ظل غيابنا التام ، أي أن التعامل مع الظاهرة في العصر الآني غدا يفرض علينا إيجاد سياسة صارمة للتعامل مع الوضع، و تقوم هذه الأخيرة في جوهرها على توضيح أفق الاندماج المفروض و طرق التعامل مع قضايا الهوية الوطنية و القومية، على اعتبار أن اختراق ذاتنا الثقافية المشتركة شيئا فشيئا من طرف الثقافة السائدة بات أمرا مقلقا لعدد من الأنظمة و المؤسسات و المثقفين على امتداد الوطن العربي. و بعد عرضنا لمسوغات الوضع نرى أنه من الحري بنا أن نلامس عن قرب مدى تأثير العولمة أو الثقافة السائدة على خصوصيتنا الثقافية بالعالم العربي ، ففي أي قطر عربي يسهل عليك رصد التأثير بدء باللغة باعتبارها مقوما من مقومات الثقافة ، إلى أبسط الأشياء التي تدخل في تشكيل تفاصيل الحياة اليومية ، فحينما تبدأ نهارك على إيقاع تحية الصباح بلغة أجنبية تكتشف أن في الأمر شيئا دخيلا ، و حينما يرتمي بصرك على اللوحات الاشهارية بالشارع فلا تجد غير أحرف مبهمة ، تتيقن أن في الأمر شيئا يتطلب لحظة تأمل من شأنها أن تجعل العقل قادرا على استيعاب مجموعة من المتناقضات و المفارقات التي تتجسد بوضوح في مشاهد يتداخل فيها الوطني بما هو أجنبي سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالمجتمع او الثقافة. إذن فجسدنا الثقافي مخترق بفعل عوامل عدة، أبرزها مخلفات الحقبة الاستعمارية بالبلدان العربية ، فقد خرج المستعمر حقا من هذه الأقطار لكن هذا الانسحاب الذي كانت فيه التطورات الدولية عاملا لا يستهان به، لم يكن نهاية المأساة بقدر ما كان بداية دشنت مسيرة محفوفة بالعثرات و الثغرات ، فمن الخطأ أن نجعل من تاريخ انسحاب المستعمر عيدا سعيدا نغفل ما ولد فيه من أسى، فالاستقلال كان بمثابة محنة كبرى حسب تعبير المفكر المغربي عبد الله العروي في رواية' أوراق' ، و هنا قد نتساءل عن العلاقة التي تربط الاستعمار بالثقافة العربية اليوم في خضم مواجهتها للعولمة ، و الإجابة عن هذا التساؤل تتلخص في أن الأمر ليس محكوما بالتباعد الذي قد نتصور ،و إنما يمثل الربط بين الكولونيالية و الحالة الثقافية الراهنة بالعالم العربي وضوحا لفهم إشكالية الحاضر في ارتباطها بالماضي و المستقبل ، فالتعليم الذي خرج الرعيل الأول من الساسة و المثقفين و الأطر كان بلغات أجنبية ، خاصة فيما يتعلق بتدريس العلوم الحقة ، إضافة إلى التعليم نذكر تأثير لغة المستعمر و المكانة التي تبوأتها في البلدان المستعمرة، و التي تم ترسيخها بعد الانسحاب ضمانا لاستمرارية المصالح و الحفاظ على ثقافة المستعمر كجزء من الهوية إن لم تكن قد اقتربت من ان تصبح الهوية ذاتها في يومنا هذا. إلى جانب ما قيل نلمس التأثير المتنامي للعولمة في مناح عدة ، أبرزها السياسة و العادات الاجتماعية و الإعلام ، فإذا بدأنا من حيث انتهينا مع الإعلام وجدنا عددا كبيرا من أجهزة الإعلام العربية تؤثر التخاطب بلغة المستعمر الجديد في منتوجها الإعلامي على حساب الكثير من اللغات الوطنية، في مظهر يشي بأنها برامج موجهة للنخبة دون باقي الأفراد الذين غدوا يحسون بالإقصاء واقعا يتجرعون مراراته على مضض في حالة من الذهول أمام الأخر الذي استطاع ان يجعل من لغته شرا لا بد منه. فما دامت حركة العولمة تدعي التوحيد و إلغاء الحواجز بين الأقطار و المنظومات الثقافية، كيف يمكن لها ان ترسخ الاقصاء الثقافي بتشجيع خطاب واحد يلغي الاخر و يجبره على التخلي الجبري عن مبادئه و القبول بالوضع كما هو و بما يحمله من تناقضات تلخص اغتصابا مشرعنا للثقافة لكن في مظهر مثالي سمته التوحيد و إالغاء الفوارق؟ هنا تبرز و بوضوح مسألة في غاية الاهمية و هي أن العولمة ليست توحيدا للثقافات بقدر ما هي إلغاء ثقافات متعددة و إحلال ثقافة واحدة مكانها ، و ما يحصل اليوم في المشهد الإعلامي العربي لا يمكن اعتباره انفتاحا ، لأنه لا يخصص حيزا للتواصل مع الاخر فحسب و إنما يغلبه و على حساب الهوية و التعدد ، فمن المجحف حقا ان تتردد لغة يفهمها عدد قليل من المواطنين طيلة النهار على الأجهزة و تحجب لغة او لغات قادرة على جعل الإعلام يضطلع بدوره المتمثل في التوعية و التحسيس، بيد أن الوعي بقيمة الإعلام و قدرته على الادلجة يفسر الاتجاه المستمر لتنميط الإعلام كمنطلق لتنميط عنصر أهم هو الثقافة المحلية يما تختزله من مكونات تاريخية و إثنية. أما المجتمع بصفته مجالا للتأثير فقدا شرع منذ أمد طويل في التحول عبر تبني طرق جديدة للحياة تمثل نمطا واحدا للعيش هو الأمثل و الأليق ، و كل نمط يخرج عن هذا الإطار شيء مستهجن ينبغي العدول عنه تحقيقا للتقدم و إن كان هذا الأخير شكليا ليس إلا، و إنها لخطوة خطيرة تصب في إنكار الذات بما تختزنه من غنى ثقافي و تنوع حضاري ، فبهدف التحضر أصبح من الضروري أن يرمي الإنسان بهويته بعيدا كي يدخل الحضارة من أوسع أبوابها، و إن كانت هذه الأخيرة تجليا واحدا لا أكثر من تجليات الإنتاج الإنساني المفروض بقوة لاستجابة عوامل عدة أبرزها النهوض الاقتصادي و التحكم في التكنولوجيا . أما على المستوى السياسي فالتبعية لمراكز القرار الدولي تتواصل دوما ، و باتت سيادة الدول محصورة في مجالات معينة، و غدا الدفاع عن الخصوصية الثقافية مظهرا من مظاهر الانغلاق الموجب للعقاب ، إذ لا ينبغي لأي نظام سياسي في يومنا هذا أن يخرج عن الضوابط التي صاغها المنتظم الدولي ، و هذا الأخير حول الدول إلى مراكز تابعة للقوى العظمى، فبرامج الأحزاب مثلا لا ينبغي لها ان تتعارض مع أهداف العولمة و القيم الكونية، و التوجهات الكبرى للبلدان العربية لا يراد لها ان تنزاح عن لغة تصوغ بمفردها فكرا يتردد صداه في كل قطر عربي، و الحق أن تبعية الكثير من الدول العربية تطرح إشكالا كبيرا يعيق المواجهة التي سنتحدث عنها، إذ كيف يمكن حماية الذات في لحظات استنجادها بالآخر الذي يتعامل معها بمنطق العصا و الجزرة، فهي مخيرة بين الطاعة و الحصول على المساعدات و بين السيادة التي قد تنتج العقوبات و المضايقات. قد نتساءل بعد رصدنا لمظاهر التأثر بالعولمة عن السبل الممكنة للمواجهة في ظل مرحلة تشهد على تردي الوضع العربي ثقافيا و سياسيا و استراتيجيا ، فكيف للواقع المهزوم ان يقاوم و يصمد او يفرز ذاتا قوية في وجه الاخر؟ لا يختلف اثنان في ان التحدي كبير جدا ، و مواجهة العولمة في العالم العربي كخيار ضروري حسب اعتقادي لا يتطلب التقوقع و الانغلاق على الذات لان ذلك بات من غير الممكن ، لكن الوسيلة المثلى للدفاع هي الهجوم كما هو متعارف عليه ، و الهجوم الذي نود شنه يتمثل في العمل على تقوية حضور الثقافة العربية، انطلاقا من تقوية حظوظها من الداخل و لأجل حماية الداخل و لم لا نتطلع كغيرنا من البشر الى سيادة الثقافات الاخرى ما دامت الحضارة الانسانية ارضا خصبة للتأثير و التأثر، و ذلك ميسر بتشجيع الابداع لدى الشاب بلغته الأم و توجيه الإعلام نحو خدمة المنتوج الثقافي المحلي و إبراز غناه، إضافة إلى حث المؤسسات على الاستثمار في الميدان الثقافي عبر دعم الجهات الفاعلة في هذا الصدد. ختاما ، أرى أنه من باب النأي عن الصواب ان نعتقد بإمكانية إذابة الثقافات العالمية في ثقافة واحدة ، فتراثنا الإنساني يشهد على الغنى و التنوع ، و الثقافة العربية كما نعلم من الثقافات العريقة و الضاربة في القدم و من أكثرها قدرة على الصمود امام تحديات العصر ،و لذا فقد آن الموعد كي نلغي الحدود التي وضعها المستعمر و نتصالح مع الذات بعد جفاء استمر طويلا، لعلنا نكتب بقلم واحد مستقبلنا على أساس التشبث بالذات الثقافية في غضون مرحلة تملي علينا تجاوز الخلافات الداخلية و التطلع إلى تحقيق وحدة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج. « retour. |
|