|
|
أضحى الحديث عن العولمة في لحظتنا المعاصرة موضوعا مثيرا للجدل بما تعنيه الكلمة من معنى، نظرا للتجاذب الحاصل في إرساء المفهوم كخطوة أولى ثم التعامل معه كأمر واقع في مرحلة متقدمة ، و يجد هذا التعامل مع الظاهرة تفسيره في خصوصيتها من جهة و تعقدها من جهة أخرى ، فالعولمة كمرحلة متقدمة من نظام الاتصال البشري ، و باعتبارها أداة لتخلي المنظومات الفكرية و السياسية و الاجتماعية عن بعض مظاهر الأصالة و الاندماج بل الانصهار أحيانا في بوتقة ثقافة نمطية يمليها الطرف الأقوى سياسيا و الأقدر عسكريا على المجابهة و السيطرة، غدت مرحلة يمثل الاندماج فيها شيئا محفوفا بالمخاطر .
و بربطنا الموضوع مع السياق الثقافي العربي نجد المفهوم يتراوح بين الرفض و القبول ، أي بين من يرون فيه انفتاحا تحقق فيه الدول المندمجة بعمق ،مكاسب تحت مظلة المنتظم الدولي، و بين معارضين حجتهم التمسك بالموروث الثقافي المحلي في إطار صون الهوية الوطنية بمختلف أبعادها.
لا شك أننا معنيون بظاهرة العولمة ما دمنا نتقاسم الأرض و حدود الجغرافيا، و لا مفر لنا من التفكير مليا و البحث عن طريقة مناسبة للتعامل مع المستجد في غضون تسارع الأحداث و تلاحق المتغيرات العالمية، و إلا بقينا على الهامش نعيش على وقع الإملاءات المصاغة في ظل غيابنا التام ، أي أن التعامل مع الظاهرة في العصر الآني غدا يفرض علينا إيجاد سياسة صارمة للتعامل مع الوضع، و تقوم هذه الأخيرة في جوهرها على توضيح أفق الاندماج المفروض و طرق التعامل مع قضايا الهوية الوطنية و القومية، على اعتبار أن اختراق ذاتنا الثقافية المشتركة شيئا فشيئا من طرف الثقافة السائدة بات أمرا مقلقا لعدد من الأنظمة و المؤسسات و المثقفين على امتداد الوطن العربي.
و بعد عرضنا لمسوغات الوضع نرى أنه من الحري بنا أن نلامس عن قرب مدى تأثير العولمة أو الثقافة السائدة على خصوصيتنا الثقافية بالعالم العربي ، ففي أي قطر عربي يسهل عليك رصد التأثير بدء باللغة باعتبارها مقوما من مقومات الثقافة ، إلى أبسط الأشياء التي تدخل في تشكيل تفاصيل الحياة اليومية ، فحينما تبدأ نهارك على إيقاع تحية الصباح بلغة أجنبية تكتشف أن في الأمر شيئا دخيلا ، و حينما يرتمي بصرك على اللوحات الاشهارية بالشارع فلا تجد غير أحرف مبهمة ، تتيقن أن في الأمر شيئا يتطلب لحظة تأمل من شأنها أن تجعل العقل قادرا على استيعاب مجموعة من المتناقضات و المفارقات التي تتجسد بوضوح في مشاهد يتداخل فيها الوطني بما هو أجنبي سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالمجتمع او الثقافة.
إذن فجسدنا الثقافي مخترق بفعل عوامل عدة، أبرزها مخلفات الحقبة الاستعمارية بالبلدان العربية ، فقد خرج المستعمر حقا من هذه الأقطار لكن هذا الانسحاب الذي كانت فيه التطورات الدولية عاملا لا يستهان به، لم يكن نهاية المأساة بقدر ما كان بداية دشنت مسيرة محفوفة بالعثرات و الثغرات ، فمن الخطأ أن نجعل من تاريخ انسحاب المستعمر عيدا سعيدا نغفل ما ولد فيه من أسى، فالاستقلال كان بمثابة محنة كبرى حسب تعبير المفكر المغربي عبد الله العروي في رواية' أوراق' ، و هنا قد نتساءل عن العلاقة التي تربط الاستعمار بالثقافة العربية اليوم في خضم مواجهتها للعولمة ، و الإجابة عن هذا التساؤل تتلخص في أن الأمر ليس محكوما بالتباعد الذي قد نتصور ،و إنما يمثل الربط بين الكولونيالية و الحالة الثقافية الراهنة بالعالم العربي وضوحا لفهم إشكالية الحاضر في ارتباطها بالماضي و المستقبل ، فالتعليم الذي خرج الرعيل الأول من الساسة و المثقفين و الأطر كان بلغات أجنبية ، خاصة فيما يتعلق بتدريس العلوم الحقة ، إضافة إلى التعليم نذكر تأثير لغة المستعمر و المكانة التي تبوأتها في البلدان المستعمرة، و التي تم ترسيخها بعد الانسحاب ضمانا لاستمرارية المصالح و الحفاظ على ثقافة المستعمر كجزء من الهوية إن لم تكن قد اقتربت من ان تصبح الهوية ذاتها في يومنا هذا.
|
Tags
You must be logged in to add tags.
|
Writer Profile
هشام
هشام تسمارت، عربي اللسان ريفي الهوى، يعشق فن الكلمة و يتوق إلى التحليق عاليا كي تتسع بسمة ملاكين اثنين يجلهما أكثر من كل البشر ، أبي و أمي
|
Comments
You must be a TakingITGlobal member to post a comment. Sign up for free or login.
|
|